Top

وقائع من “الاشتباك الحتمي” بين “حزب الله” والقيادة المصرية

كانون ثاني 13, 2009

شكّل قرار “حزب الله” بفتح جبهة سياسية مع القيادة المصرية لدعم حركة “حماس” التي تخوض “معركة بقاء” على الجبهة العسكرية في غزة، نوعاً من المفاجأة للبعض ممن كانوا يفترضون أن الحزب ليس بوارد خوض اشتباك جانبي مع أي نظام عربي في هذا التوقيت الدقيق، لأن أي اشتباك من هذا القبيل سيعني المجازفة بجزء من رصيده العربي، إضافة الى كونه يمثل إضافة غير مألوفة على أدبيات الحزب، التي كانت تعطي الاولوية للتناقض الرئيسي في مواجهة العدو الاسرائيلي ولو تطلب الامر أن يضع في فمه الكثير من الماء، كما فعل في حرب تموز .٢٠٠٦

وعليه، جاء الموقف الحاد للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله تجاه النظام المصري، منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، بمثابة قنبلة سياسية مدوّية أصابت شظاياها عواصم “الاعتدال العربي”، وخصوصا أن الحزب كان قد تجنب المبارزة وجهاً لوجه إبان ذروة العدوان في تموز ،٢٠٠٦ برغم أنه خاض آنذاك حرب حياة أو موت وهو متيقن بالوثائق والوقائع من حجم “التواطؤ العربي” عليه، ولكن الانتصار الذي حققته المقاومة لاحقا جعلها الى حد ما “متسامحة” وأتاح لها امتصاص غضبها.

وحتى في مرحلة الصراع الداخلي المحتدم بين المعارضة و”قوى ١٤آذار”، تفادى “حزب الله” في أحيان كثيرة تسمية الأشياء بأسمائها في ما خص أدوار عدد من الانظمة الرسمية العربية في تغذية هذا الصراع ورفده بـ”البهارات” المذهبية، وقد حصل الحزب خلال أحداث ٧ أيار على أدلة حسية تثبت هذا التورط في الأزمة عبر خلايا مخابراتية، ومع ذلك فهو أبقى على خطوط الرجعة مفتوحة، وترك شعرة معاوية ممدودة بينه وبين خصومه من العرب.

وبعد الوصول الى اتفاق الدوحة، بدا أن الحزب بات أكثر استعدادا لطي صفحة الماضي، على إيقاع “التسوية” المستجدة، الأمر الذي انعكس تنظيما للخلاف بينه وبين السعودية، وتحسنا في العلاقة بالقاهرة التي كان يحرص موفدوها الى بيروت على الاجتماع بمسؤولين من “حزب الله”، بل قيل إن القاهرة وجهت دعوة الى قيادة الحزب لزيارة مصر ولقاء قيادتها في سياق الزيارات التي قامت بها شخصيات لبنانية الى مصر مؤخرا.

ثم جاءت عاصفة غزة التي أعادت بعثرة كل الاوراق، وفتحت كل الملفات، بعدما شعر “حزب الله” بأن ما صحّ عليه، بإرادته الطوعية، في تموز ٢٠٠٦ لا يسري بالضرورة على حركة “حماس”، والاهم انه اعتبر أن من “واجبه” السياسي والشرعي أن يتخذ الموقف المناسب الذي يتجاوز حدود الاستنكار اللفظي، ليشكل إضافة حقيقة على معطيات المواجهة. وبمعنى آخر، وجد الحزب أن “حماس” المحاصرة تحتاج الى تغطية سريعة وملحة بصواريخ الـ”غراد” السياسية البعيدة المدى، إذا كان متعذراً في الظروف الراهنة استخدام أنواع أخرى من الصواريخ التي يملكها الحزب.

وهكذا، لم يتردد السيد نصر الله شخصيا في تشغيل “منصة” الاعتراض العلني على سلوك النظام المصري تجاه قضية غزة، مجيّراً ثقله المعنوي والسياسي لمؤازرة المقاومة الفلسطينية، وهو الذي يدرك أن قيادتها المنشغلة بمتطلبات المواجهة العسكرية للعدوان الاسرائيلي لا تستطيع الاصطدام المباشر بالقيادة المصرية، لاسيما أن الجغرافيا الطبيعية والسياسية تؤدي هنا دورا محوريا لا يمكن لـ”حماس” أن تتجاهله أو أن تتجاوزه، كون قطاع غزة يقع على حدود مصر، ما يجعل منها “رئة إلزامية” للتنفس، وهذا ما يتفهمه جيدا “حزب الله” الذي يُدرك حساسية الجغرافيا وحيويتها انطلاقا من تجربته مع سوريا، علما بأن هناك في الحزب من يعتقد أن طريقة سلوك البعض في القيادة المصرية حاليا تشبه الى حد بعيد طريقة تصرف أطراف مشبوهة في الطاقم الحاكم السابق في سوريا كانت تسبب مشكلات للمقاومة في لبنان.

وبرغم أن الازمة بين الحزب والقيادة المصرية بلغت حدا متفاقما،إلا ان قيادته تبدو حريصة على التأكيد أن ذلك لا يعني المس بأولوية الصراع مع إسرائيل والانزلاق نحو معركة جانبية أو هامشية على حساب تلك الاولوية، بل ان الحزب يرى أن الضغط على النظام في مصر لفتح معبر رفح وصون ثوابت القضية الفلسطينية، إنما يصب مباشرة في خانة تحصين الموقع العربي والفلسـطيني، وحـماية غـزة في مواجهة المشروع الاسرائيلي ـ الاميركي الذي بات له حلفاء واضحون في المنطقة.

ولا يوحي الحزب بأن الهجوم المضاد الذي تعرض له من مواقع في النظام أو قريبة منه كانت مفاجئة له، بل هو توقع ذلك منذ البداية التداعيات التي حصلت، وبالتالي فهو وضع في حسابه مسبقا الخسائر الجانبية لقراره الخوض في “ممر إلزامي” لم يكن متاحا تجنبه، وفق حساباته، ولكن ذلك لا يمنع أحد قيادييه من أن يستغرب قول وزير الخارجية المصرية أحمد ابو الغيط إنه لا يمكن مسايرة السيد نصر الله في فتح معبر رفح لتمرير السلاح من خلاله، “لأن الوزير أبو الغيط يعرف جيدا أن السلاح لا يدخل الى غزة بواسطة المعبر الذي كان يخضع لمراقبة أوروبية شديدة بل هناك طرق خاصة للحصول عليه، علماً بأن المصلحة الاستراتيجية لمصر تقضي، في كل الأحوال، بأن تكون غزة قوية وقادرة على الدفاع عن ذاتها”.

وما يثير استغراب القيادي أكثر هو أن تضيّع القيادة المصرية بسلوكها فرصة أن تكون حركة “حماس” جزءاً من القوة الاستراتيجية لمصر بدلاً من تحويلها الى عبء عليها، معرباً عن اعتقاده أن تلك القيادة تعيش حاليا هاجس الانتصار المحتمل لـ”حماس” لأنه سيكون من الصعب احتواء مفاعيل هذا الإنجاز، باعتبار ان اللون المذهبي للحركة المتماهي مع المحيط العربي لن يساعد على التحريض عليها، كما جرى مع “حزب الله” بعد انتصاره في حرب تموز.

عماد مرمل – السفير

تعليقات القراء

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي نورت. 

تعليقات (1) على “وقائع من “الاشتباك الحتمي” بين “حزب الله” والقيادة المصرية”

  1. اركان في شباط 2, 2009 |

    لايوجد موقف مشرف واحد لمصر و السعوديه يتفاخرون به و اتحداكم لو نشرتم موقف واحد و سننشر الالاف من المواقف المشرفه لحزب الله اتمنى لو اجد قائد واحد فقط من العرب يفعل ما فعله نصر الله
    اننا لا نملك حكام بل نملك نعام

ماذا تقول أنت؟





لقراءة قواعد التعليق في جريدة نورت - انقر هنا
للدردشة أنقر هنا
ممنوع من التعليق؟

 
Bottom